أبي منصور الماتريدي
10
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
من العصيان والكفر ، وإنما احتمل هذين الوجهين ؛ لأن المنع لهم من طاعة اللّه تعالى واتباع أمره ونهيه ، يكون بأنفسهم ، ويكون من بعضهم بعضا ؛ فيكون محتملا لكلا الوجهين ، وهو كقوله تعالى : فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النور : 61 ] وقوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] : ولا تهلكوا بعضكم ببعض ؛ إذ الظاهر أن المرء مع قيام عقله لا يهلك نفسه ، ولا يلقيها في التهلكة ، وكذا لا يسلم على نفسه . ويحتمل الظاهر أيضا أن يسلم على نفسه إذا دخل البيت ، ولم يكن معه غيره ؛ ولذلك نهي عن إهلاك نفسه عند شدة الغضب ، ونحو ذلك ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ . قال بعض أهل التأويل : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ، فأحياهم اللّه تعالى في الدنيا ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ، فهما حياتان وموتتان ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود فيما أرى ، ويقولون [ هو ] كقوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . . . الآية [ البقرة : 28 ] . وقال بعضهم : قوله : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ : إحدى الموتتين هي التي تنقضي بها آجالهم ، ثم يحييهم في القبر ، ثم يميتهم ، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة ، فهما موتتان وحياتان ، وإلى هذا يذهب ابن الراوندي ، ويحتج بهذا على عذاب القبر ، وهو أشبه وأقرب ؛ لأنهم بكونهم في أصلاب آبائهم أمواتا لا يقال : أَمَتَّنَا وهم كانوا أمواتا . وقوله - عزّ وجل - : فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ . يحتمل اعترافهم بذنوبهم : هو ما أنكروا في الدنيا قدرة اللّه تعالى على البعث والإحياء بعد الموت والعذاب لهم لما عاينوا ذلك وشاهدوا أقروا به ، فإنكارهم ذلك هو ذنبهم ، واللّه أعلم . ويحتمل أن يكون ذنوبهم التي اعترفوا بها ما ذكر في سورة ( تبارك ) حين قال لهم الخزنة لما ألقوا في النار : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ الملك : 8 ، 9 ] فيكون اعترافهم بذنوبهم هذا ، واللّه أعلم . وقوله : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ . قوله : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ أي : ذلك المقت الذي ذكر أو العذاب الذي نزل بكم إنما كان بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ، أي : كفرتم بتوحيده ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ أي : توحيد اللّه تُؤْمِنُوا به ، أي : يصدقوا هذه الآية كقوله : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ الزمر : 45 ] فهما